ابراهيم بن محمد ابن عرب شاه الاسفرائيني
157
الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم
أشكل ذلك على بعض المتأخرين واستصعبوه فمنهم من غيّر تعريف المقدمة إلى ما يتوقف عليه الشروع مطلقا ، أو على وجه البصيرة ، أو على وجه زيادة البصيرة ، ومنهم من قال : لا يذكر في مقدمة العلم ما لا يتوقف عليه الشروع ، وإنما يذكر في مقدمة الكتاب ، وفرّق بينهما ؛ فإن مقدمة العلم ما يتوقف عليه مسائله ، ومقدمة الكتاب طائفة من الألفاظ قدمت أمام المقصود لدلالتها على ما ينفع في تحصيل المقصود ، سواء كان مما يتوقف المقصود عليه فيكون مقدمة العلم ، أو لا فيكون من معاني مقدمة الكتاب ، من غير أن يكون مقدمة العلم ، وأيد ذلك بأنه يغنيك معرفة مقدمة الكتاب عن مظنة أن قولهم المقدمة في بيان حد العلم والغرض منه وموضوعه من قبيل جعل الشيء ظرفا لنفسه ، وعن تكلفات في دفعه ، ونحن نقول لا حاجة إلى تغيير تعريف المقدمة ؛ فإن كلّا مما يذكر في المقدمة مما يتوقف عليه شروع في العلم هو إما أصل الشروع ، أو شروع على وجه البصيرة ، أو شروع على وجه زيادة البصيرة ، فيصدق على الكل ما يتوقف عليه شروع ، ولحمل الشروع على ما هو في حمل المعنى المنكر مساغ كما في ادخل السوق . وأورد على المسلك الثاني أن إثبات مقدمة الكتاب إثبات اصطلاح جديد لا نقل عليه في كلامهم ، ولا هو مفهوم من إطلاقاتهم ، ولا ضرورة يلتجئ إليه ، وفيه أن ما هو بصدده لا يتوقف على إثبات اصطلاح ؛ بل يكفي أن يكون المراد بالمقدمة طائفة من الألفاظ الدالة على ما له نفع فيما يأتي ، ولا شبهة في هذه الإرادة ، وهذا القائل لم يصرح بدعوى الاصطلاح ، ولو كانت مصرحا بها أيضا ليس في المناقشة معه في ذلك منفعة ؛ لأنه يكفيه مجرد الاستعمال في هذا المعنى . نعم فيما عرف به هذا القائل مقدمة العلم إنه صادق على المبادئ التصورية والتصديقية وكأنه أراد ما يتوقف عليه الشروع في مسائله . واعلم أن المقدمة كثيرا ما يطلق على ما يستحق التقدم على بقية الباب أو الفصل ، فالأظهر أن يقال : المقدمة اسم لما يتوقف عليه المباحث الآتية : فإن كان المباحث الآتية العلم برمته فهو مقدمة العلم ، وإن كان بقية الباب فهو مقدمة الباب .